📁 موضوعات مميزة

كيف تبني فريق تنفيذ قويًا في مواقع اللاندسكيب - وإدارة النزاعات دون تعطيل المشروع

عندما تكون إدارة البشر أصعب من إدارة الأعمال.

في مشاريع اللاندسكيب، نتحدث كثيرًا عن الجودة، والجداول الزمنية، والتكلفة، والرسومات التنفيذية، والاختبارات، والتنسيق بين التخصصات. لكن هناك عنصر واحد غالبًا ما يُهمل رغم أنه قادر على إنجاح المشروع أو إفشاله بالكامل: إدارة فريق التنفيذ.

قد يكون التصميم ممتازًا، والبرنامج الزمني محكمًا، والمواد متوفرة، والمعدات جاهزة، لكن كل ذلك يمكن أن ينهار إذا كان الفريق مفككًا، متصارعًا، أو يفتقر للثقة والقيادة الواضحة. هنا تتحول إدارة الفريق من بند إداري إلى عامل حاسم في مصير المشروع.

إدارة الموارد البشرية ليست كإدارة الخرسانة أو النباتات أو المعدات. نحن لا ندير مواد جامدة، بل ندير بشرًا: شخصيات مختلفة، خبرات متباينة، دوافع متناقضة، ونفوس قد تتعاون يومًا وتتصادم يومًا آخر.

مدير مشروع يناقش فريق تنفيذ أعمال اللاندسكيب في الموقع مع مهندسين وفنيين
كيف تبني فريق تنفيذ قويًا في مواقع اللاندسكيب؟ مهارات لا غنى عنها لكل مدير

هناك من يعمل لمصلحة المشروع، وهناك من يعمل لمصلحته الشخصية. وهناك من يبني الفريق، وهناك من يهدمه بصمت عبر الصراعات والتحالفات الخفية. عند هذه النقطة، لم يعد مدير المشروع مجرد منسق أعمال، بل أصبح قائدًا لإدارة علاقات بشرية معقدة.

لماذا تُعد إدارة فريق التنفيذ أخطر بند في الموقع؟

لأن فشل المشاريع في الواقع لا يحدث غالبًا بسبب خطأ تصميمي، بل بسبب فشل في إدارة البشر. في كثير من مشاريع اللاندسكيب، طاقم التنفيذ قادر فنيًا على إنجاز العمل، لكن سوء التنسيق، تضارب الصلاحيات، والخلافات الشخصية تشل الموقع بالكامل. فإدارة الفريق تعني التعامل مع:

  • شخصيات قوية وأخرى ضعيفة.
  • خبرات متفاوتة بين مهندس قديم وحديث التخرج.
  • من يعمل لصالح الفريق ومن يعمل لصالح نفسه.
  • من يتخذ القرار ومن يتهرب منه.

من أين تنشأ الأزمة الحقيقية بين أعضاء الفريق؟

تبدأ معظم الأزمات من مواقف تبدو بسيطة لكنها تتراكم بمرور الوقت:

  • مهندس ذو خبرة كبيرة يصطدم بمهندس حديث التخرج ولا يصبر على تدريبه.
  • فني متمرس يرفض تلقي التعليمات لأنه يرى نفسه الأكفأ.
  • عامل ذكي يستخدم نفوذه غير الرسمي لخلق تحالفات وصراعات.
  • مهندس خبير فنيًا لكنه ضعيف في اتخاذ القرار خوفًا من المساءلة.

أشكال تضارب الفريق في مشاريع اللاندسكيب.

1️⃣ التضارب الفني: ما الطريقة الصحيحة للتنفيذ؟

يحدث عندما يختلف الأطراف حول أولويات التنفيذ:

  • مهندس الموقع يفضّل السرعة حتى لو تأثرت الجودة.
  • الاستشاري يضع الجودة أولًا مهما ارتفعت التكلفة أو الوقت.
  • المقاول الفرعي يبحث عن الربح عبر التوفير والسرعة.

2️⃣ تضارب الصلحيات: من صاحب القرار؟

يظهر عندما يكون الهيكل التنظيمي غير واضح:

  • المكتب الفني قد يحتكر المعلومة لإثبات السيطرة.
  • فريق الموقع يتهم المكتب الفني باتخاذ قرارات غير عملية.
  • تبادل تقارير مضللة بدلًا من حل المشكلة جذريًا.

3️⃣ التضارب الشخصي (الأخطر)

الخلافات الشخصية تتحول إلى تعطيل مقصود للعمل. هذا النوع من النزاع هو الأصعب، وغالبًا لا ينتهي إلا بإبعاد أحد الأطراف أو إعادة هيكلة الفريق.

كيف تتطور فرق التنفيذ في مواقع اللاندسكيب وفق نموذج تكمان (Tuckman).

لفهم لماذا تظهر النزاعات داخل فرق التنفيذ، من المفيد النظر إلى تطور الفريق من منظور علمي. أحد أكثر النماذج قبولًا في إدارة الفرق هو:

👈 نموذج تكمان لتكوين الفريق (Tuckman’s Stages of Team Development)، الذي يوضح أن أي فريق يمر بخمس مراحل طبيعية، وفي مواقع اللاندسكيب، تتجلى هذه المراحل بوضوح شديد:

  1. Forming – التشكيل: في بداية المشروع، يتعرف المهندسون والفنيون والعمال على بعضهم، لكن الأدوار لا تزال غير واضحة، ويكثر الاعتماد على مدير المشروع لتوجيه القرارات. هنا تظهر أهمية ما ذكرناه سابقًا حول وضوح الهيكل التنظيمي وخطوط الإبلاغ.
  2. Storming – الصراع: وهي أخطر المراحل وأكثرها ارتباطًا بما ناقشناه في هذا المقال. في هذه المرحلة تظهر التضاربات الفنية، وتضارب الصلاحيات، والخلافات الشخصية بين أعضاء الفريق. كثير من المشاريع تتعثر هنا إن لم تُدار النزاعات باحتراف.
  3. Norming – التنظيم: يبدأ الفريق في التفاهم، وتصبح قنوات التواصل أوضح، ويقل التصادم مع استقرار الأدوار والمسؤوليات. التنسيق بين المكتب الفني والموقع يصبح أكثر سلاسة.
  4. Performing – الأداء: يصل الفريق إلى أعلى كفاءة له؛ تُحل المشكلات بسرعة، ويعمل الجميع وفق هدف مشترك، ويصبح التركيز منصبًا على الجودة والجدول الزمني بدل الصراعات الداخلية.
  5. Adjourning – الإنهاء: عند اقتراب التسليم النهائي، يكون التركيز على إنهاء الأعمال المتبقية وتوثيق الدروس المستفادة (Lessons Learned) لتفادي تكرار الأخطاء في المشاريع القادمة.

قصة من أرض الواقع (Case from Site).

بحكم خبرتي كـ Team Leader في تنفيذ مشاريع اللاندسكيب، تم تكليفي في بداية أحد المشاريع الجديدة بمهمة حساسة: تكوين فريق تنفيذ متكامل من الصفر. كان المطلوب أن أختار فريقًا متوازنًا، بحيث يتم تعيين مهندسين اثنين لكل تخصص - أحدهما Senior والآخر Junior - لضمان نقل الخبرة من جهة، وبناء كوادر جديدة من جهة أخرى.

بناءً على ذلك، تم اختيار 12 مهندسًا موزعين على الأقسام المختلفة:

  • قسم العمارة
  • قسم المدني
  • قسم الميكانيكا
  • قسم الري
  • قسم الزراعة
  • قسم المساحة
  • إضافة إلى المكتب الفني
في اليوم الأول لتجمّع الفريق بالموقع، توقعت أن يبدأ العمل بروح تعاونية، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. خلال أيام قليلة ظهرت كمية كبيرة من النزاعات: اختلاف في طرق التنفيذ، تضارب في الصلاحيات، حساسيات شخصية بين مهندسين ذوي خبرة وآخرين حديثي التخرج، وصراعات غير معلنة حول النفوذ داخل الفريق. 

وصل الأمر إلى درجة شعرت فيها وكأننا في “حرب صغيرة” داخل الموقع لا تنتهي، وبدأ القلق يتسلل إليّ من أن تهتز الصورة أمام إدارة المشروع، وأن يُحكم علينا بأننا غير قادرين على إدارة الموقع أو قيادة فريق التنفيذ بكفاءة.

في تلك المرحلة، وبعد الاطلاع على قانون تكمان لتكوين الفريق (Tuckman’s Model)، أدركت أن ما كنا نمر به لم يكن فشلًا إداريًا فريدًا، بل كان جزءًا طبيعيًا من تطور أي فريق - تحديدًا مرحلة Storming (الصراع) - والتي ناقشناها سابقًا.

هذا الفهم غيّر طريقة تعاملي مع النزاعات؛ فلم أعد أراها كارثة، بل مرحلة يجب إدارتها بوعي وهدوء حتى نصل بالفريق إلى مرحلتي Norming وPerforming.

استخدام مصفوفة RACI لمنع تضارب الصلاحيات في مواقع اللاندسكيب.

كثير من النزاعات في مواقع اللاندسكيب لا تنشأ من ضعف فني، بل من غموض المسؤوليات. هنا تأتي أهمية مصفوفة RACI كأداة عملية لتوزيع الأدوار ومنع تضارب الصلاحيات. تعني RACI:
  • R - Responsible (من يقوم بتنفيذ المهام): وهو الشخص الذي يقوم بالعمل فعليًا لأول مره.
  • A - Accountable (صاحب القرار): من يتحمل المسؤولية النهائية عن النتيجة بعد مراجعة المهام التي قام بها المسؤول Responsible.
  • C - Consulted (يُستشار): من يجب أخذ رأيه قبل اتخاذ القرار لما يتمتع بة من رؤيه فنية واداره أوسع.
  • I - Informed (يُبلّغ): من يجب إبلاغه بالنتيجة النهائية فقط دون أن يشارك في القرار.

مثال تطبيقي جدول RACI (مثالان تطبيقيان في أعمال اللاندسكيب).

النشاط / الدور مهندس موقع - مهندس مكتب فني قائد الفريق المكتب الفني ادارة المكتب الفني  بقية الفريق التنفيذي بالموقع + مدير المشروع
إعداد Shop Drawing لأرضيات مواقف السيارات R منفّذ A صاحب القرار C يُستشار C يُستشار I يُبلّغ
صب خرسانة مسلحة لأرضيات البلازات R منفّذ A صاحب القرار C يُستشار C يُستشار I يُبلّغ

في المثالين السابقين، يظهر بوضوح أن:

  • مهندس المكتب الفني (R) هو المسؤول عن التنفيذ الفعلي والإشراف على الصب.
  • بينما قائد فريق الموقع والمنسق العام بالموقع (A) هو صاحب القرار النهائي ويُحاسَب على النتيجة.
  • المكتب الفني والاستشاري (C) يُستشاران لضمان مطابقة الحلول للمخططات والمواصفات.
  • بقية الفريق التنفيذي (I) يتم إبلاغه فقط لضمان التنسيق دون تداخل في اتخاذ القرار.

عندما تكون هذه الأدوار واضحة منذ البداية، تختفي كثير من المشكلات التي ناقشناها سابقًا حول تضارب السلطات بين المكتب الفني وفريق الموقع، وتصبح القرارات أسرع وأكثر شفافية.

كيف تُدار فرق التنفيذ باحتراف؟

1️⃣ وضوح الهيكل التنظيمي منذ اليوم الأول

  • تحديد المسميات الوظيفية (Job Titles).
  • تحديد خط الإبلاغ (Reporting To).
  • توضيح من ينفذ ومن ينسق ومن يتخذ القرار.
  • تحديد من يجب إبلاغه بالمعلومات (Informed).

2️⃣ ضبط قنوات التواصل

  • رفض الأوامر الشفهية المتضاربة دون توثيق.
  • عدم الاعتماد على نقل الكلام غير الرسمي.
  • العمل دائمًا بمستندات ومراسلات واضحة.

3️⃣ اكتشاف العناصر السامة مبكرًا

  • من ينشر التشكيك داخل الفريق.
  • من لا يحترم قيم العمل الجماعي.
  • من يضعف قرارات الإدارة من الداخل.

ماذا نفعل إذا وقعت الأزمة بالفعل؟

عندما تتفجر المشكلة، لا يكفي الحل الفني، بل يجب الحل الإداري والبشري:

  • فض النزاعات مبكرًا عبر اجتماعات منظمة.
  • إعادة توزيع الأفراد وفق مهاراتهم وشخصياتهم.
  • تعزيز الروابط الاجتماعية داخل الفريق.
  • الحفاظ على هيبة القرار التنفيذي بالقدوة.
  • توفير المعلومة لمن يريد التعلم.
  • تقليل الاجتماعات غير الضرورية واحترام وقت الفريق.

نتائج فشل إدارة فريق التنفيذ.

  • تأخر البرنامج الزمني وخسائر مالية.
  • إعادة تنفيذ الأعمال وإهدار الموارد.
  • انخفاض الجودة ومشكلات التسليم.
  • تفكك الفريق وفشل المشروع بالكامل.

إدارة فريق التنفيذ ليست بندًا ثانويًا، بل هي جوهر نجاح المشروع. في النهاية، لا يُقاس النجاح بعدد البنود المنفذة فقط، بل بقدرة الفريق على العمل معًا حتى خط التسليم الأخير.

تعليقات